القرطبي

239

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الخامسة - روى الترمذي عن عمر قال : كانت تحتي امرأة أحبها ، وكان أبى يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبيت ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك " . قال هذا حديث حسن صحيح . السادسة - روى الصحيح عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : " أمك " قال : ثم من ؟ قال : " ثم أمك " قال : ثم من ؟ قال : " ثم أمك " قال : ثم من ؟ قال : " ثم أبوك " . فهذا الحديث يدل على أن محبة الام والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب ، لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الام ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة فقط . وإذا توصل ( 1 ) هذا المعنى شهد له العيان . وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الام دون الأب ، فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب . وروى عن مالك أن رجلا قال له : إن أبى في بلد السودان ، وقد كتب إلى أن أقدم عليه ، وأمي تمنعني من ذلك ، فقال : أطع أباك ، ولا تعص أمك . فدل قول مالك هذا أن برهما متساو عنده . وقد سئل الليث عن هذه المسألة فأمره بطاعة الام ، وزعم أن لها ثلثي البر . وحديث أبي هريرة يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر ، وهو الحجة على من خالف . وقد زعم المحاسبي في ( كتاب الرعاية ) له أنه لا خلاف بين العلماء أن للام ثلاثة أرباع البر وللأب الربع ، على مقتضى حديث أبي هريرة رضي الله عنه . والله أعلم . السابعة - لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين ، بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد ، قال الله تعالى : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ( 2 ) " . وفى صحيح البخاري عن أسماء قالت : قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها ، فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أمي قدمت وهي راغبة ( 3 ) أفأصلها ؟ قال : " نعم صلى أمك " .

--> ( 1 ) كذا في الأصول . ( 2 ) راجع ج 18 ص 58 وج‍ 14 ص 63 . ( 3 ) قوله راغبة : أي راغبة في بري وصلتي ، أو راغبة عن الاسلام كارهة له .